محمد محمد أبو موسى

257

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

كيف نظم هذا الكلام ؟ قلت : ما بعد « حتى » إلى « فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ » جعل غاية للابتلاء وهي « حتى » التي تقع بعدها الجمل كالتي في قوله : فما زالت القتلى تمجّ دماؤها * بدجلة حتى ماء دجلة أشكل والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية لأن « إذا » متضمنة معنى الشرط وفعل الشرط « بَلَغُوا النِّكاحَ » وقوله : « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ » جملة من شرط وجزاء واقعة جوابا للشرط الأول الذي هو « إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ » فكأنه قيل : وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد » « 68 » . والزمخشري في هذا النص لما أراد أن يبين نظم الكلام لم يزد عن اعرابه وكأنه يقصد بنظمه اعرابه ، ولكن الذي نراه أن هنا فرقا بين النظم والاعراب وأن قوله « كيف نظمه » يراد به السؤال عن استقامة معنى الكلام ووضوح المراد منه ، فإذا كان الجواب : هو اعراب النص ، فلأن الاعراب هو الذي يكشف لنا المعنى في مثل هذا التركيب الذي ألقى عليه تداخل أدوات الشرط شيئا من الغموض . ونجد هذا التقارب بين النظم والاعراب في قوله في آية : « قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ » « 69 » : فان قلت : أخبرني عن نظم هذا الكلام لأقف على معناه من جهة النظم ؟ قلت : الواو الأولى عاطفة ل « كفرتم » على فعل الشرط كما عطفته « ثم » في قوله تعالى : « قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ » « 70 » . وكذلك الواو الأخرى عاطفة ل « استكبرتم » على « شهد شاهد » وأما الواو في « وشهد شاهد » فقد عطفت جملة قوله « شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ » على جملة قوله « كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ » ، ونظيره قولك : أن أحسنت إليك وأسأت وأقبلت عليك وأعرضت عنى لم نتفق في أنك أخذت ضميمتين فعطفتهما على مثليهما « 71 » .

--> ( 68 ) الكشاف ج 1 ص 365 ( 69 ) الأحقاف : 10 ( 70 ) فصلت : 52 ( 71 ) الكشاف ج 4 ص 237